من غزة إلى ليبيا وأنقرة.. المخابرات العامة المصرية في قلب معادلة الأمن الإقليمي
تحركات متسارعة يقودها السيد الوزير حسن رشاد تعكس ثقل القاهرة وقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف شديدة التباين
في عالم السياسة، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تعلنه أمام الكاميرات، وإنما أيضًا بقدرتها على التحرك في الملفات المعقدة، وفتح قنوات اتصال مع أطراف متباينة، والوصول إلى دوائر القرار عندما تضيق مساحة الدبلوماسية التقليدية.

ومن هذه الزاوية، تكشف التحركات الأخيرة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، السيد الوزير حسن رشاد، عن حضور متصاعد للجهاز في عدد من أكثر ملفات المنطقة حساسية، من القضية الفلسطينية وقطاع غزة، مرورًا بالعلاقات مع تركيا، وصولًا إلى المشهد الليبي.
وفي أحدث حلقات هذا التحرك، وصل إلى القاهرة اليوم، الأحد 16 أغسطس 2026، وفد قيادي رفيع المستوى من حركة حماس برئاسة رئيس المكتب السياسي للحركة خليل الحية، لإجراء مباحثات تتعلق بتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار ومستجدات القضية الفلسطينية، وعقد الوفد اجتماعًا مع رئيس المخابرات العامة المصرية.
هذا اللقاء لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا منفصلًا، بل يأتي ضمن سلسلة متلاحقة من الاتصالات والتحركات المصرية التي تضع القاهرة في موقع محوري داخل معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها أطراف فلسطينية وإسرائيلية وعربية وإقليمية ودولية.
وقبل ثلاثة أيام فقط، وتحديدًا في 13 أغسطس 2026، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مباحثات في مدينة العلمين مع رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، عقب زيارة قام بها الوزير التركي إلى ليبيا، في مشهد يكشف حجم التشابك بين الملفات التي تتحرك فيها القاهرة حاليًا.
ولم يبدأ هذا التنسيق المصري التركي من لقاء أغسطس؛ ففي 29 يونيو 2026 التقى حسن رشاد رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وبحث الجانبان بصورة مباشرة تطورات غزة وليبيا، مع التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود للوصول إلى تسويات للأزمات التي تشهدها المنطقة. كما عقد المسؤولان لقاءً مع عدد من قيادات حركة حماس، بينهم خالد مشعل وخليل الحية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الدور الذي تؤديه المخابرات العامة المصرية: القدرة على الحديث مع أطراف مختلفة في الوقت نفسه، دون فقدان مساحة الحركة مع أي منها.
ففي الملف الفلسطيني، تمتلك القاهرة قنوات اتصال مباشرة مع الفصائل الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تشارك في جهود الوساطة والترتيبات الإقليمية والدولية المتعلقة بغزة. وهذه القدرة على التواصل ليست مجرد حضور سياسي؛ وإنما تمثل أداة ضرورية لأي دولة تريد أن تكون جزءًا فعليًا من صناعة التسويات، لأن الوسيط الذي لا يستطيع الوصول إلى جميع الأطراف لا يستطيع التأثير في مسار الأزمة.

ليبيا.. أمن الجار جزء من أمن مصر
الأمر نفسه يتكرر في ليبيا، لكن بدرجة أكثر تعقيدًا.
فالقاهرة تتعامل مع الملف الليبي باعتباره ملفًا مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، بحكم الحدود الممتدة والتداخلات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين.
وقد تحرك رئيس المخابرات العامة المصرية على أكثر من مسار داخل الساحة الليبية؛ ففي يونيو الماضي زار طرابلس والتقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وبحث الجانبان تطورات الوضع السياسي وسبل دعم الأمن والاستقرار ووحدة المؤسسات الليبية. وفي الوقت نفسه احتفظت مصر بقنوات اتصال مع شرق ليبيا وقياداته.
كما التقى حسن رشاد في يوليو وكيل وزارة الدفاع الليبية عبد السلام الزوبي، حيث تناولت المباحثات الحفاظ على الاستقرار ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وهذه الحركة بين شرق ليبيا وغربها تحمل دلالة مهمة: مصر لا تريد أن تكون طرفًا في الانقسام الليبي بقدر ما تسعى إلى امتلاك القدرة على التواصل مع مكونات المشهد المختلفة، لأن استقرار ليبيا بالنسبة للقاهرة ليس رفاهية سياسية، بل قضية أمن قومي.
قوة الأجهزة لا تُقاس بكثرة الظهور
وربما تكمن خصوصية المخابرات العامة المصرية في أن جانبًا كبيرًا من عملها بطبيعته لا يظهر للرأي العام.
فأجهزة الاستخبارات لا تعمل بمنطق البيانات اليومية ولا المؤتمرات الصحفية، وإنما تظهر نتائج عملها عادة عندما تصل الأطراف إلى طاولة التفاوض، أو تنجح قنوات الاتصال في منع التصعيد، أو تُفتح مساحة جديدة للحوار.
ومن هنا، فإن تتابع اللقاءات خلال الفترة الأخيرة — من المسؤولين الليبيين إلى رئيس الاستخبارات التركية، ثم وزير الخارجية التركي، وصولًا إلى قيادة حركة حماس — يقدم مؤشرًا على حجم الدور الذي تتحمله المؤسسة المصرية في ملفات تتجاوز الحدود المصرية إلى محيط إقليمي واسع.
القاهرة.. نقطة التقاء لا يمكن تجاوزها
وسط منطقة تشهد تغيرات متسارعة وتحالفات متحركة وأزمات مفتوحة، تصبح قيمة الدولة في قدرتها على الاحتفاظ بعلاقات تسمح لها بالتحرك عندما تتعقد الحسابات.
والمشهد الحالي يقول إن القاهرة نجحت في الاحتفاظ بهذه المساحة.
فحين تجتمع في مسار واحد ملفات غزة وليبيا وتركيا، وتصبح المخابرات العامة المصرية حاضرة في قنوات الاتصال المتعلقة بكل منها، فإن الأمر يتجاوز سلسلة من اللقاءات البروتوكولية، ليعكس دورًا مصريًا يسعى إلى تحويل المعرفة الأمنية والعلاقات السياسية إلى قدرة حقيقية على التأثير وصناعة التوازن.
قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتختلف المصالح، لكن الجغرافيا لا تتغير، ومصر بحكم موقعها وثقلها تظل في قلب الأزمات الكبرى المحيطة بها.
وفي هذه المعادلة، تبرز المخابرات العامة المصرية باعتبارها إحدى أهم أدوات الدولة في إدارة الملفات الأكثر حساسية؛ تعمل بعيدًا عن الضجيج حينًا، وتظهر إلى واجهة المشهد حين تفرض اللحظة ذلك.
ومن غزة إلى ليبيا، ومن القاهرة إلى أنقرة، تبدو الرسالة واحدة: عندما يتعلق الأمر بأمن مصر واستقرار محيطها، فإن القاهرة لا تنتظر تطورات الأحداث.. بل تسعى لأن تكون حاضرة في صناعتها.

