
استقلال القرار يبدأ من فوهة المصانع :
الدول لا تحصل على استقلالية قرارها السياسي والأمني من خلال امتلاك السلاح فقط، بل من خلال قدرتها على إنتاجه. مصر أدركت مبكرًا هذه الحقيقة، فبدأت مسارًا طويلًا نحو توطين الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات. ومع مرور السنوات، تحولت الدولة من مجرد مستورد ومستخدم للسلاح إلى شريك في إنتاجه، وصاحب خبرات متراكمة تفتح الباب لمرحلة جديدة من الاعتماد على الذات.

إيديكس… الحدث الذي غيّر قواعد المشهد :
لم يكن معرض مصر الدولي للصناعات الدفاعية والعسكرية “إيديكس” مجرد منصة للعرض أو مناسبة احتفالية، بل تحول إلى شهادة عالمية على حجم الإنجاز المصري. المعرض في نسخه المتعاقبة استقطب أكثر من 100 دولة من قارات العالم المختلفة، ومئات الشركات الدفاعية المتخصصة، وكلها جاءت إلى القاهرة ليس بدافع المجاملة، بل لوجود واقع جديد يستحق المتابعة.
إيديكس أتاح لمصر فرصة الإعلان عن صناعات محلية قادرة على المنافسة، وفرصة توقيع اتفاقيات تصنيع مشترك، وإطلاق خطوط إنتاج جديدة، وتبادل خبرات مع كبرى الشركات العالمية، وهو ما جعل المعرض يتحول إلى نقطة محورية في تطور الصناعة العسكرية المصرية.

قفزة نوعية في التصنيع العسكري :
أحد أبرز المؤشرات على هذا التطور إعلان مصر بدء تصنيع أجزاء من طائرات الرافال داخل أراضيها لأول مرة. الطائرات الحربية ليست مجرد منتج عسكري، بل منظومة معقدة تتطلب:
- خبرات هندسية
- بنية صناعية متطورة
- كوادر مدربة
- منظومات اختبار عالية الدقة
هذا التطور يعني أن مصر لم تعد في مرحلة التجربة، بل في قلب الصناعة ذاتها، وهو ما يعزز مكانتها ويؤكد قدرتها على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وليس فقط استيرادها.

منتجات مصرية تدخل المنافسة الدولية :
مشاركة مصر في النسخ الأخيرة من إيديكس بأكثر من 57 منتجًا دفاعيًا مصريًا كاملًا عكست حجم القفزة التي تحققت، وتشمل هذه المنتجات:
- مركبات مدرعة
- أنظمة دفاع جوي
- رادارات
- حلول اتصالات عسكرية
- تطوير منظومات تسليح
هذا التنوع يعكس وجود منظومة صناعية مكتملة تعمل وفق معايير دولية، قادرة على التطوير والتجديد وليس فقط الإنتاج.

المسيرات المصرية “جبار”.. دخول العصر الجديد للسلاح الذكي :
في سياق التطور التكنولوجي المتسارع، برزت المسيرات المصرية “جبار” كإحدى أهم مفاجآت الصناعة الدفاعية الوطنية. هذه المسيرة لم تأتِ كمجرد منصة طيران بدون طيار، بل كمشروع متكامل يعبر عن تحول فكري وصناعي في المنظومة الدفاعية المصرية، ويمثل انتقالًا من السلاح التقليدي إلى السلاح الذكي.
“جبار” تعكس:
- قدرة مصر على دمج الهندسة والبرمجيات والاتصالات في منظومة واحدة
- إنتاج منصة استطلاع ومراقبة عالية الدقة
- قابلية التطوير والتسليح وفق متطلبات العمليات
- تصنيع محلي يتوافق مع بيئة العمل العسكرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
ما يجعل “جبار” علامة فارقة أن ظهورها جاء في توقيت أصبحت فيه الطائرات المسيرة أحد أعمدة الحروب الحديثة. دول كثيرة حول العالم تتنافس في هذا المجال، لكن قلة فقط تمتلك القدرة على تصنيع المسيرات محليًا. دخول مصر هذا المضمار يؤكد أنها تمتلك أدوات المستقبل، وأن صناعتها الدفاعية تجاوزت مرحلة بناء الآليات والمعدات الثقيلة إلى مرحلة امتلاك تكنولوجيا متقدمة تُستخدم في الاستخبارات والعمليات التكتيكية والهجومية.
وجود مسيرات مثل “جبار” يبعث برسالة واضحة: مصر ليست فقط دولة تملك جيشًا قويًا، بل دولة تعرف كيف تبني سلاحها وتطوره، وتضع بصمتها التقنية في سوق عالمي حساس.
تنويع مصادر السلاح… رؤية استراتيجية محسوبة :
لم تكتف مصر بتطوير صناعاتها الداخلية، بل اعتمدت سياسة تنويع مصادر السلاح، فأصبحت على صلة عسكرية وتكنولوجية مع دول مثل فرنسا، الصين، الهند، كوريا الجنوبية، والإمارات. هذه السياسة منعت احتكار السلاح، وسمحت لمصر بالمناورة وخلق فرص جديدة للتعاون، وهي خطوة تشير إلى أن القرار العسكري المصري بات مستقلًا وغير مرتهن لأي قوة خارجية.
عائد اقتصادي يتجاوز التوقعات :
الصناعة الدفاعية ليست قطاعًا استهلاكيًا، بل قطاع منتج يخلق وظائف، ويطور التعليم الفني والهندسي، ويرفع مستوى التكنولوجيا في الدولة. فالمصانع التي تنتج السلاح تنتج معها صناعات فرعية داعمة، ومراكز بحث، ومعامل اختبار، ومؤسسات تدريب قادرة على تخريج أجيال من المهندسين والخبراء.
هذا القطاع أصبح اليوم رافدًا مهمًا للاقتصاد المصري، وجزءًا من رؤية الدولة نحو اقتصاد قائم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى القيمة المضافة لا الاستيراد.
صورة ذهنية جديدة لمصر :
لعقود طويلة، كانت مصر تُرى دولة ذات ثقل سياسي إقليمي دون قاعدة صناعية دفاعية واضحة. اليوم، هذه الصورة تتغير. العالم يرى مصر دولة تصنع، تطور، وتفرض احترامها في سوق شديدة الحساسية. هذا التحول جعل القاهرة مركز اهتمام دول عديدة تبحث عن شراكات حقيقية وليست بروتوكولية.
الشباب ودوره في المستقبل :
المجال الدفاعي لم يعد حكرًا على العسكريين فقط، بل أصبح مجالًا تكنولوجيًا مفتوحًا لخبرات هندسية، وإلكترونية، وبرمجية. على الشباب المصري أن يدرك أن مستقبل الصناعات الدفاعية يحمل فرصًا كبيرة، وأن الباب مفتوح لهم ليكونوا جزءًا من النهضة الصناعية الجارية.
ما تشهده مصر اليوم ليس مجرد تطوير للسلاح، بل إعادة تأسيس لدور الدولة وقدرتها على اتخاذ قرار مستقل، وبناء قوة صناعية قادرة على المنافسة. الصناعات الدفاعية المصرية أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، وإيديكس واحد من شواهده الكبرى.
مصر لا تعلن وجودها فقط، بل تفرض حضورها، وتفتح طريقًا جديدًا لدولة قادرة على الصناعة، وعلى حماية مصالحها، وعلى تقديم نموذج عربي مختلف يعتمد على الإنتاج لا الاستهلاك.
ومع استمرار هذا النهج، يظل المستقبل مفتوحًا أمام صناعة دفاعية مصرية تنمو عامًا بعد عام، وتعكس إرادة دولة تعرف ما تريد وتسعى لتحقيقه بثبات.










